المبالغة والإيجاز في القرآن ,سحر القرآن4

سِـحــرُ الـقُرَآنْ

(4)
ـ

المبالغة والايجاز

الحلقة السادسة
24-1-08


نستعرض في هذه الحلقه الأسلوب البلاغي "الإيجاز" و "المبالغه" وكيف استخدم في اقرآن الكريم عبر الأمثلة التالية :

وصف أهوال يوم القيامة :
(يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت  , وتضع كل ذات حمل حملها , وترى الناس سكارى وماهم بسكارى , ولكن عذاب الله شديد )

يقول أهل البلاغة : لو أن القول جاء " يوم تذهل كل امرأة عن ولدها " لكان كافيا وبيانا حسنا
لكن قوة البلاغة في قول الله سبحانه " كل مرضعة " التخصيص بالمرأة المرضعة فهي أقرب إلى الرضيع وأكثر احساسا به وقربا منه فهي مهتمة به لايفارقها ليلا ونهارا لحاجته إلى الرعاية.  فوصف حال وقع أهوال يوم القيامة على النفس بهذه المبالغة له قوة وتأثيرا لما يحوي المعنى من اختلاف بين الصورتين المرضعة والمرأه والتخصيص بالمرضعه للمعنى الأعمق في هذا وفي وصف شدة هول ذاك اليوم .


وصف أعمال الكافر :
(كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا  , حتى إذا جاءه لم يجده شيئا , ووجد الله عنده فوفاه حسابه )

فهو كالسائر في الصحراء يتوهم من بعيد وجود ماء وكلما قرب منه لم يجده شيئا ,
يقول أهل البلاغة : لو كان القول "يحسبه الرائي" لكان وصفا جيدا
لكن أسلوب المبالغة الذي أراد الله سبحانه استخدامه :
أن الإنسان الظمآن أشد حاجة للماء من الرائي , فتحديد صفة هذا الرائي أو هذا الانسان أنه ظمآن وليس مجرد راء للماء . أو متوهم له .


ونذكر هنا قصة الأصمعي رحمه الله وهو علم من علماء اللغة العربية يقول :
اجتزت ببعض أحياء العرب , فرأيت صبية صغيره معها قربة ماء وقد انفتح فم القربة , وبدأ الماء ينصب منها , فقامت تناديني : ياعماه  أدرك فاها , غلبني فوها , لاطاقة لي بفيها .
فقال الأصمعي متعجبا من بلاغتها :  ما أفصحك !! فقالت ياعم  :
وهل ترك القرآن لأحد فصاحه وفي آية فيها خبران وأمران  ونهيان وبشارتان .
قال وماهي قالت :
قوله تعالى
( وأوحينا إلى أم موسى , أن أرضعيه , فإذا خفت عليه فألقيه,  في اليم ولاتخافي, ولاتحزني ,إنا رادوه إليك ,وجاعلوه من المرسلين, )

"أوحينا" الخبر الأول
"أرضعيه" الأمر الأول
"خفت عليه" الخبر الثاني
"ألقيه" الأمر الثاني
"لاتخافي" النهي الأول
"لاتحزني" النهي الثاني
"رادوه إليك" البشارة الأولى
"جاعلوه من المرسلين" البشارة الثانية

فقال الأصمعي :رجعت بفائدة , كأن هذه الآية مامرت علي من قبل .
وهذا نموذج مبهر من البلاغة في القرآن الكريم .



 
الأن نتحدث حول بعض من صور الإيجاز في القرآن الكريم بعد أن تحدثنا عن المبالغة:

والإيجاز يعني الاقلال من الكلام مع ترك الإخلال باللفظ والمعنى , أي كلام قليل يشمل معان عده , وينقسم الإيجاز الى قصر وحذف.
حذف : أي يلغى بعض الكلام ويبقى المعنى كما هو مفهوم وواضح وكامل , القصر: هو التخفيف  :

نستعرض الأمثله التالية :

في قصة سيدنا يوسف عليه السلام لما رجعوا بدون أخيهم وقالو لأبيهم أن أخانا سرق ولم يصدقهم ,فيقول
( واسأل القرية ) !!

يعني كيف يسأل القرية ؟ طبعا هنا إيجاز بالطبع وبداهة سيسأل أهل القرية .

ولنقرأ وصف الله سبحانه للقرآن :
يقول الله تعالى :
( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال , أو قطعت به الأرض , أو كلم به الموتى , )

وانتهت الآية !
أي لو أن هناك قرآنا يفعل كل هذا وهناك كلام محذوف ,
لكن أهل البلاغة يعلمون :
أن هذا منتهى البلاغة , أي كأنه قبل لو كان هناك قرآن يفعل كل هذا لكان هذا القرآن , فالحذف هنا أبلغ من الذكر , فالنفس تفكر لو أن هناك قرآن ماذا سيحدث ؟
فالإيجاز أطلق لنا الخيال والتأمل والتفكر .


(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)

لنتوقف عند هذه الأية ,
يقال أن أحد حكماء الفرس قال مرة : القتل أنفى للقتل , بمعنى لو أنا قتلنا الاخرين سيمنع هذا الأخرين من ارتكاب الجرائم , والقتل الاول يمنع القتل الثاني .
وهذا معنى حكيم ورائع ,
ولكن الأبلغ والعظم حكمة قول الله سبحانه " ولكم في القصاص حياة "
فالقتل قد يحدث لبريئ او يقتل ظلما ,
لكن القصاص هو عقوبة للظالم والمعتدي , فليس هو نفي للقتل فحسب , بل إحياء للبشرية واستقرار للأمن.


( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم )

كل ما سمعو صوتا أوحدث حادث أو جاء موقف كاشف أو أي حدث يقلقهم ويحسبون الدائرة عليهم , فهم في خوف مستمر وقلق دائم ,
والحديث هنا عن المنافقين , وهنا قصر للحديث بإيجاز بليغ فالله سبحانه يصف حالهم وحالتهم النفسية بكلمتين ويترك للعقل والفكر أن يسبح في عمق المعنى وانعكاسه على الواقع .


( ولايحيق المكر السيئ إلا بأهله)

عندنا مثل عربي يقول : من حفر حفرة لأخيه وقع فيها , وهو كلام جميل
إلا أن كلام القرآن به بلاغة وايجاز متقن ,
فالله يتحدث هنا عن " المكر السيئ" فالمكر قد يكون حسنا ضد العدو مثلا ,
لكن التحديد هنا عن المكر السيئ فهو واقع على صاحبه  مردود عليه , إن في الدنيا أو في الأخره .


وفي القرآن إعجاز في الإيجاز , ويسميه العرب "جوامع الكلم"
والقرآن الكريم اعظم مثال في هذا وأقوى نظم لألوان سحر البيان .


فلنتأمل قول الله تعالى :
( إن اللذين قالوا ربنا الله ثم استقامو تتنزل عليهم الملائكة ..)

لاحظوا كلمة استقاموا ,
استقاموا على ماذا وماذا تعني ؟
هي تحمل كل الطاعات والعبادات ومعنى الصلاح والخير شاملة لها جميعها , ونلاحظ في الأية كذلك أن الله قرن القول بالعمل للتأكيد , فلا استقامة بعمل يخالف القول , فمن يقول ربنا الله
يجب عليه تحويل هذا إلى فعل مستقيم يؤكد قوله , وهذا من جوامع الكلم .


(لاخوف عليهم ولاهم يحزنون)

وقد ذكرت مرات عدة في وصف أهل الجنة ,
وهي تحوي معنى , زوال كل مكروه عنهم واقبال كل محبوب إليهم
لنتأمل : الحزن والخوف ,
وهما أشد أمرين على الإنسان
فالحزن  يكون على أمر ماض أو حاضر
والخوف يأتي متولدا عن مكروه مستقبلي , أي أنه لم يأت لكنه قد يأت وهناك تخوف من وقوعه ,
فإذا حدث وانتهى  سمي حزنا .
ولذا يقول الله سبحانه عن أهل الجنة " لاخوف عليهم ولاهم يحزنون"
فكل ماعرض لهم في الحياة من حزن وبؤس ومرض وتعب وألم , هم في الجنة من أهلها نسو هذا
وفي الوقت ذاته هم لايتخوفون من مستقبل متغير متقلب يجلب لهم حزنا آخر .
فحياة نعيم وجنة دائمة ورضا من الله لايزول .
ولاحظوا :
كم من الناس في الدنيا يملك نعيما ؟ ويحي حياة بها من النعم الكثير .
لكنه يفتقد الأمن والاطمئنان
فهو في حزن دائم وتخوف مستمر .
فهو قد ملك النعيم وفقد نعمة التلذذ الحقيقي به .
ولهذا يلخص الله سبحانه هذا كله في كلمة واحدة في وصف حال أهل الجنة فيقول :
( لهم الامن وهم مهتدون)
فاجتمع النعيم مع الامن والاطمئنان السرور وراحة البال واطمئنان النفس .


كذلك نجد بلاغة القرآن في الحديث عن الجانب التشريعي :

( يا أيها اللذين ءآمنوا أوفوا بالعقود )

كلمتين "أوفوا بالعقود"
 جمعت كل ما
تعاقد عليه الإنسان مع ربه من طاعة وامتثال للأمر الخ

وكذلك :
كل مايتعاقد عليه الناس فيما بينهم , كالزواج والبيع ,
فهذه كلها عقود مترابطة ببعهضا ,
فمثلا عقد الزواج , نعم يكون على سنة الله ورسوله بعقد شرعي , وقد تحقق الايفاء بالعقد في جانب وترك الجانب الأخر
فلا يعاملها على سنة الله ولا على شرعه فبالتالي الايفاء بالعقد هنا ناقص , فليست العقود مجرد شكليات وانما ترجمة واقعية , يجب القيام بها إيفاءا للعقد مع الله اولا بطاعته وثانيا الوفاء بالعقود مع البشر ففي الوفاء بها طاعة لله وامتثال لأمر الله بالوفاء والحفاظ على العقود وعدم اخلافها .


في وصف الجنة :
( وفيها ماتشتهيه الأنفس , وتلذ الأعين )

فكل ماتشتهيه النفس وتلذ العين لرؤيته , سيكون في الجنة , وتخيل النفس لما تشتهيه لاحد له وهذا من الايجاز البليغ في القرآن .
وكذا فيها عدم تحديد عطاء الله لأهل الجنة , فلهم الخيار والتخيل كما تشتهي أنفسهم  , وهذا تقرير لعطاء الله اللامحدود ونعيمه اللامحدود لأهل الجنة. .


كان هذا بعضا من سحر القرآن الكريم في إعجاز الإيجاز .
وإن من البيان لسحرا
وأعظم البيان القرآن ,,
(جزى الله الدكتور طارق خير الجزاء )


تابعوا المزيد من التلخيصات إن شاء الله : )

Advertisements
هذا المنشور نشر في سحر القرآن. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s