مغص عقلي


بدَأَتْ
الحصة الثانية… أجهد “الماوس” جدي وهو يحاول أن يطارد الملفات في
“الكمبيوتر”، أخبرني أنه نسى كل ما تعلمه في الحصة السابقة… بدت عليه
علامات التململ… أقسم أن تكون هذه هي الحصة الأخيرة.

حضر العَشاء بعد أن فشلتُ في مهمتي.. ناديت أطفال العائلة فهم ملح
الطعام.. أخذ الجميع يأكل في نهم… إلا أن الجد اكتفى بكسرات خبز مع الجبن
حتى لا تضطرب معدته… همس أحد الأطفال في أذن الجد.. “جدو.. أنا أشطر منك…
أستطيع أن ألعب أية لعبة على الكمبيوتر بينما لازلتَ تبحث عن مؤشر
“الماوس”… ثم أمسك الطفل بالـ”ساندويتش” وانهال عليه قضماً..

تستطيع
المعدة الصغيرة أن تأكل جميع أنواع الأطعمة دون تعب، لكن بمرور الوقت
وجريان العمر تشترط المعدة كمية وأنواعاً محددة حتى تستطيع أن تعمل دون
تذمر.
ويخيل إليّ أن العقول كذلك لا تهضم كل أنواع الأفكار بسهولة، فكلما كانت “المعدة العقلية” شابة، كلما كانت شرهة، وكلما تقدم بها العمر كلما بدأت تقنن لنفسها أنواع الأطعمة والمشروبات الفكرية التي تحمل  تصريح دخول!!
 لذلك
من المهم أن ينتبه أصحاب الأفكار الجديدة إلى هذه الطبيعة الخاصة لمعدة
العقل، وألا يثقلوا على كل الناس ليجبروهم على تناول أفكارهم، فليس كل
إنسان تصلح معدته كي تهضم أفكارك، لمجرد أنك تأمل أن يقتنع. أو لمجرد أنه
صانع القرار الذي يُرجى أن يعدل مساره. فقد كنت أريد لجدي أن يتعلم
استخدام “الكمبيوتر”، حتى يستطيع أن يستمع إلى كل الأغاني التي يحب بدلاً
من استخدام الراديو وشرائط الكاسيت، لكنه لم يستجب، وكان دائماً يقول: “يا
بني عقولنا تختلف عن عقولكم”، وحتى حين يستخدم الجهاز الحديث فإنه يتعامل
معه بمنطق الآلة التي اعتاد التعامل معها، فهو يحرك كل شيء ببطء كما اعتاد
أن يحرك مؤشر الراديو. وكلما نظر إلى “الكمبيوتر” يسأل نفسه، ترى أين مؤشر
تغيير القنوات؟!
 وأساطين الفكر القديم يعيشون صراعاً نفسياً عظيماً
إزاء ثورة الأفكار، إذ أنها تنعي إليهم عمرهم الذي قضوه في فكرة ربما
أخطأت الطريق، وكلما نظروا إلى تاريخهم السالف؛ كلما يئسوا من استدراك
المستقبل، فيؤثرون السلامة راضين بالسير في طريق… أي طريق.. وطَرْح الفكر
الجديد عليهم والإلحاح به يؤذيهم ويؤلم عقولهم، إذ يدعوهم لتغيير نمط
النظر للحياة. وربما لا يكون من الإنصاف إرهاقهم بأطروحات فكرية مختلفة
جذرياً، إذ ليس ذلك من الرحمة في شيء. ترى هل من الرحمة أن تطالب شيخاً
طاعناً في السن بالجري السريع بحجة أن له قدمين وساقين مثلك؟!

 قد
يتسائل البعض!! ولكن هؤلاء القدامى هم صناع القرار في مؤسساتهم، وإذا تم
التأثير فيهم وإقناعهم فستكون عمليات التحول سريعة وممكنة. لكن
تاريخ الثورات العلمية ينبئنا أن الحقائق العلمية لا تنتصر لأنها تقنع
المعاندين، فالحقيقة العلمية ترى الضوء بسبب موت المعاندين فكرياً أو
جسدياً، وظهور جيل جديد ينظر بحيادية إلى المسائل المطروحة سابقاً
.
وهل هُضمت أفكار كوبرنيكس الذي حدد موضع الأرض من السماء إلا بعد قرن من
وفاته؟؟!! وهل انتشرت الهواتف الخلوية ووسائل الاتصال الحديثة نتيجة
اقتناع الأجيال القديمة بضرورتها؟! أم نتيجة ظهور جيل جديد يتلقفها؟! حتى
أنها صارت دمية في أيدي الأطفال.
غالباً ما يأتي تغيير الأفكار عبر هذه
الثلة الفكرية الشابة التي تفتحت عينها للتو على العالم، فتنظر في أطروحات
الأقدمين بحيادية، فليس من مصلحتها تبني طرح هذا أو ذاك، لأنها على أتم
استعداد أن تحدث ثورة في طبيعة النظر للأشياء. إنها ليست منحازة للراديو،
بل منحازة لأسرع وسيلة تُسمعها ما تهوى.
وإن كان هرم المعدة العقلية
أمر طبيعي كسنة من سنن الحياة؛ إلا أن هناك بعض العقول ظاهرها الشباب
وباطنها الشيخوخة، فهم شباب يحاولون الاقتداء بكبار السن  فيما لا يحسن
الاقتداء به  في عالم الأفكار، متوهمين أنهم بذلك حكماء، وما دروا أن كبار
السن يمرون بمرحلة طبيعية في رحلتهم العقلية، ترى أحدهم يقول لك: “لعل في
عدم استخدام “الكمبيوتر” حكمة يعلمها الكبار”، وقد هالني أمر هؤلاء.. فهل يُعقل أن يقتدي شاب صحيح في طعامه بمريض الضغط والسكر؟؟!!
على رواد الفكر أن ينتبهوا لمثل هؤلاء، فهم شباب متقمصون هيئة شيوخ، خالوا
أمراض المعدة صحة وعافية، وتشبهوا بالمرضى وخاصموا الأصحاء، فلتبذل الجهود
في تحرير أولئك الشباب من حالة “التمارض الفكري“.

إنني
أكن احتراماً بالغاً لجدي لأنه اعترف أن عقل جيلنا يختلف عن عقله، وأننا
الأقدر على التعامل مع أدوات العصر، فضلاً عن إنتاج أفكاره، ولطالما نصحنا
بأن نأكل جيداً قبل أن تضرب معدتنا عن العمل، ولا أذكر أنه دعاني قط للسير
على نهجه في الأكل بعد أن صار مسناً، فليس عيباً في الجد أنه كبر، لكنني
أعتب على ذلك الشاب الذي يسأل جده أن يعلمه ماذا يفعل إن وجد “فيروس” في
“الكمبيوتر”؟؟ فقد تغيرت أشكال وأدوات ومجالات الصراعات، وعلى الأجداد أن
يسألونا … ماذا أنتم فاعلون؟؟!! فهذا عصركم وعالمكم وهذه أدواتكم فأين
أفكاركم الناجزة?!

وعندما تعجز أفكار
الأجداد عن التصدي للواقع؛ يجب أن نترقب ظهور تصورات جديدة، صارخين مع
كوبرنيكس، الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، فالتصور الجديد سيخلق ثورة في
الفعل، وحينها يجب ألا تتوجه صرختنا نحو الشيوخ، فليُترك الأجداد يمارسون
حياتهم التقليدية دون منغصات، خاصة إن كانوا غير مدركين بعد لتفوق الواقع
على أفكارهم. على حاملي الأفكار الجديدة أن يديروا أعينهم… وينظروا هناك…
على الناحية الثانية من طاولة العَشاء.. هناك حيث تهضم المعدة الأطعمة
بشراهة، حيث يبزغ قرص الشمس الذهبي، وحيث يحتشد الجيل الجديد الرائع
المتعطش لفكرة جديدة لامعة.
أما العقول التي هرمت، فتحتاج إلى جرعات
فكرية مخففة، وإلا أصابها مغص فكري، تليه تشنجات حادة. فقد تبذل عمرك في
إقناع الأقدمين بفكرة جديدة ثائرة، فيخدعك خفض رؤسهم تواضعاً لك… لكن
انتبه، إنهم يحنون رؤسهم من شدة الألم، واضعين أيديهم على معدتهم، وسرعان
ما ينفد صبرهم، وتصبح الأفكار فوق طاقتهم، فتتقيأ معدتهم أفكارك فور
انصرافك من أمامهم.

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s