خيرتك بين , الإسلام والجزية , أو القتال

لحظة من فضلك ,

كنت أقرأ وأتابع وأسمع , ومازلت حول الفتوحات الإسلامية وهذا التاريخ الذي يقال عنه " العزة والكرامة والرفعة للأمة " وهو كذلك في نماذج وعكس ذلك في نماذج أخرى .
كنت أقرأ قصة فتح القسطنطينية , وأبهر بحكمة وعظمة الفاتح رضوان الله عليه , وأقرأ لأبي مسلم الخرساني فأعجب بهمته التي تنطح الجبال , وأقرأ لمولاي صقر قريش عبد الرحمن الداخل , فتعجب من إصراره وطموحه وكيف لفتى يؤسس دولة لبني أمية في الأندلس , ثم تصبح الأندلس محجا للعالمين .
وةقصص كثيرة أخرى ,

منذ الصغر ونحن نسمع , كان فلان الصحابي أو التابعي أو أيا كان , إن دخل على قوم أو مصر يريد فتحه عرض على أهل تلك البلد الإسلام أو الجزية أو القتال ,
والحقيقة , مع التراكم الثقافي المشوش , لهذه المفاهيم , ولهذا النموذج الإسلام الجزية القتال , تتشكل لدى الشاب المسلم ثقافة تقول له أن :
المسلمين إن دخلو أرضا خيرو أهلها إما أن يسلمو بمعنى يدخلو في هذا الدين , أو يدفعوا الجزية , أو يعرضو عليهم القتال , لأنهم رفضو الإسلام مثلا والجزية !!

هذا مبدأيا أمر غير منطقي ,
أنا أريد أن أطرح تساؤل بسيط ,
أليس القبول بحاكمية الإسلام قبولا بالإسلام ؟
أنا برأيي أن التخيير هنا لايفهم منه الدخول في الإسلام باعتناقه دين ,, إنما القبول به نظام حكم ودولة , وبالتالي الجزية لم تكن على الترتيب وكان لها أمر آخر وضرورة ومستلزمات تفرض نفسها , مثلها مثل أي حكم شرعي , لابد من توافر معطيات محددة حتى يقام .

أما مسألة عرض القتال , فحين يذكر هذا القول بهذه الطريقة الساذجة  ,يظن الظان فينا أنهم خيرو بين الإسلام والجزية فرفضوا , فعرضو عليهم القتال !!

في هذا لبس خطير ,
فيصور الإسلام على أنه إما معي أو ضدي , ولايوجد عنصر محايد !!
رغم أن الإسلام حين دخل كل الأمصار , حافظ على أديان أهلها ! وفي هذا رد على المتصورين بهذا التصور مهما كان مسماهم إسلاميين أو غيرهم .

وهذا يعني :
أن القتال لم يكن عرضا , بل خيارا من قبل أهل تلك البلد , فالتخيير هنا لايأت عن رفض لاعتناق الإسلام كما يتصور البعض ,
وإنما يأتي عن عداء للقوم تجاه الإسلام ورفض له  كنظام حكم .

ولم تكن للفتوحات أن تقام أو يجنح المسلمون للقتال لأن أهل هذه البلد أو تلك رفضوا دفع الجزية , بل لقيم أصيلة يحملها الإسلام , الدفاع عن المظلوم مهما كان وأينما كان , وهذه مبادئ الإسلام طبقت أم خالفها الفاتحون الأقدمون فلم يكونوا يوما ما ملائكة لأنهم مجاهدون !!
لقد كان يعفى منا لجزية المرأة والطفل والمريض والشيخ وكانت تفرض على صاحب القدرة والغني ومن لايستطيع حمل السلاح . ومن حق الدولة أن تفرض ضريبة مقابل هذه الرعاية والحفظ , وعلى المواطن في الدولة المساهمة في هذا فهذا وطن الجميع .

وأود أن أورد هنا قصة لعل البعض قرأها أو اطلع عليها :

هي قصة فتح سمرقند , حين دخلها قتية بن أبي مسلم غدرا باتفاق مع رجل من أهلها على أن يفتح له الأبواب  .
فسيطر المسلمون على تلك الأرض , فإذ بكهنة يبعثون لعمر بن عبد العزيز يشتكونه فتح سمرقند لم يكن عادلا , وكان غدرا.
فتصوروا الموقف …
يأمر عمر بن عبد العزيز , أن تقام محكمة عسكرية تقضي في مشروعية دخول المسلمين لسمرقند !!!
فأقيمت المحاكمة في المسجد وحضرها الكهنة وقائد المسلمين ,
فيسأل القاضي دعوى الكهنة : فيرون القصة دخول المسلمين غدرا ,
فيسأل القاضي قائد المسلمين : هل خيرتم أهل سمرقند بين الإسلام والجزية والتقال ؟
فكان الجواب : لا
فحكم القاضي : إني أحكم أن دخول المسلمين سمرقند باطل وغير جائز وأحكم على جند المسلمين الخروج من سمرقند كما دخلوها .         
وحين خروج المسلمين منها , ارتجت المدينة بالتهليل والتكبير , فكان سببا في إسلام أهلها .

القصة تكفي , ولا أزيد .

وأؤكد على أن المسلمين حين دخلو بلدا وفتحوها باسم الإسلام , قامو بهذا أم لم يقومو , فتاريخنا ومايحوي ليس ملزما بقدر ماهو محل دراسة وفهم , لا محل اتباع واسقاط على واقعنا , ففيه مايؤخذ وفيه مايرد ,

لذا فالمرجعية التي نتحاكم لها هي الدين , فالله سبحانه يقول في تقرير حريات الأديان " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " إذا الأمور متضحة , والله يؤكد على هذا وحجته بالغة , فلم يخاف المسلمون مادام الله يقول قد تبين الرشد من الغي !! وحين يقول نبينا صلى الله عليه وسلم لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ,, نحن ننطلق في تفهمنا واحتوائنا لعقائد الأخرين من هذا المنطلق , بأنا نملك الصواب والحق والحجة البينة , وعدم الإكراه يعني حوار العقل والفكر والحجة وهي التي تغلب , والقتال بالسيف ماهي إلا مرحلة متقدمة وتدخل في دائرة الاقتصاص وأخذ الحق ورد الظلم , وليست عبثا باسم الله .

ونرى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم , قبول وجود اليهود وتكوين حزب لهم  وكذا للمنافقين حزب وكذا المسلمون لهم حزبهم بقيادة نبي الله عليه الصلاة والسلام ,
إنا حين نتحدث عن تسامحنا مع غيرنا من الأديان لايعني ذلة وخضوع وخنوع !!
بل يعني انطلاقا من عزة ديننا ورفعته تكرما وتفضلا على غيرنا من الأقوام احتواءا لهم ولثقافتهم , و العمل على تبيين حجتنا بالعقل والقول السليم المنطقي , لا بالهمجية والغوغائية والسذاجة في الطرح والفهم ,  بأي شكل كان سواء أكان إدارة الخد الأيسر لتلق صفعة الخد الأيمن , أو كان ثورانا أحمقا ضد أي شيئ يتعلق بالأخرين وغيرنا .

الإسلام دين يكرم الإنسان لإنسانيته ابتداءا ,
ونجد في مواضع عدة في القرآن الكريم الحديث بالنداء للإنسان وللناس , " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " وقول الله سبحانه " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر " وقوله تعالى "يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ..الآية" وقوله تعالى " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم "
وغيرها من المواضع التي نرى فيها النداء للناس جميعا , والتقوى بمفهومه العام ليس حكرا على المسلمين , ولكن إن حددنا المصطلح ببعض مضامينه فلكل دين مضامين مختلفه ولكن الفكرة متحده ,

إني أفهم الجهاد في الإسلام , على أنه تلبية لراية الحق والخير والعدل والحرية ,
إني أفهم الجهاد وفتح البلاد الإسلامية في التاريخ كان يجب أن يفهم على أنه , انقاذ للبشرية , وهذا هو المفهوم الصحيح , سواء أكان التطبيق في التاريخ قد اصاب أحيانا أو أخطأ , هذا لايهمني , ولايحاكمني جاهل لتاريخ لم أصغه ولم تكن لي يد مشاركة في كتابته .

 مازال يداعب أجفان البعض أحلام ساذجة بفتوحات وقتال , وكأن هذه غاية الإسلام ورسالته ,,,
ويظنون المخرج الوحيد الذي ستنهض به الأمة هو أن تفتح الحدود !!
وهذا تفكير ساذج بلا حدود ,,
إن أمة لاتملك زمام أمرها اقتصاديا وسياسيا , لاتستطيع أن تحرر شبرا من أي أرض ,
إن كانت عقول الأمة مكبلة بالتخلف والرجعية والظلام الثقافي ,
فإن الحدود إن فتحت لن ترى سوى غوغائية وهمجية كل متخلف ينهق وينبح بصوت وكل يدعي أنه دين الله في الأرض ,

الإسلام رسالة عقل وحب وسلام ,
مفاهيم حرية وعدل ومساواة واحترام ,

فهل فهم هذا المسلمون ابتداءا ؟ كي يفهمها غيرهم ؟؟
لماذا النوم الطويل على هذه الأحلام ؟
بدلا من العمل على التحسين الثقافي , والسير نحو خطوات النهضة الفكرية ابتداءا وبشكل اساسي ؟؟

لسنا بحاجة لمعارك السيف اليوم ,
إننا بحاجة لمعارك الفكر والعقل والقلم .

وهذا ما أتقنه النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءا , وعلم أصحابه وأنصاره عليه . الفهم والفكر السليم , التنظير الدقيق المنطقي ,
فهذا نصف الطريق والخطوة الثانية , هي العمل بالتوكل والتخطيط ,
وفي أولها وأخرها وداخلها ديمومة النقد والمراجعة .

والله ولي التوفيق ,,,

Advertisements
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s