حديث بين العقل والقلب “6” الإيمان بالغيب



في آخر إضافةٍ لي ,كما في إضافتين سابقتين ,,
تحدثت حول فلسفة العلم والجهل ,,
وربطت في الأخيرة  بين الجهل والعلم وبين الإيمان بالغيب ,
توصلت لإدراكٍ بعلاقة الإيمان بالغيب وارتباطها بديمومة جهل الإنسان "إدراكًا" لبعض معالم الحياة الدنيا الخافية ,وماوراءها ,,
وحتى نفهم هذه الفلسفة بشكل أكبر ,,  دعونا نتحدث عن بعض الأفكار التي توصلت لها من خلال تفكيري وتأملي وقراءتي .

أبتدأ من تعليقٍ سابق لأخي البراء , بتصرف :
(
فهناك أمور محكوم علينا بجهلها أبدًا، ولأن الإنسان لا يحبُ الاعتراف
بجهله ويصعب عليه ترك الفراغ فارغا ،ويملك موهبة التحدي وحب الاكتشاف
والتقدم ,يبدأ
بنسج منظومة تقول أن الدين والعقل لا يتفقان "فكيف وكيف وكيف…" ! )
فلنسأل ، كيف يكون للمخلوق عقل يعي كل ما يفعل الخالقْ ؟
وهنا أذكر كلاما لـ عبد الله القصيمي يقول :
كم هو غير منطقيٍ أن يكون المخلوق أعظم من الخالق , ثم لايستطيع هذا المخلوق تغيير خالقه الصغير!
وأوجه تساؤلا لؤلئك القوم ,
ماذا استفدنا من تأويلاتكم الحديثة في الخالق والخلق سوى المزيد من التوهان والضياع ؟؟!!
أواجهكم بقيمة الزمن هل بيدكم لعلاج أثرها أولايقافه من سبيل ؟
إن أي فلسفة لاتبنى وفق معادلة أساسها الله , فهي ضائعه ,

على الهامش :: (والعصر إن الإنسان لفي خسر ) ::


من فضل الله أني كنت أقرأ في ظلال القرآن لـ سيد قطب رحمه الله .
وقد مررت على حديثٍ حول أول سورةِ البقرة وحديثه الرائع حول الآية الكريمة " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممارزقناهم ينفقون"
وفلسفة ترتبط بحديثي في المقالاتٍ السابقة حول الجهل والعلم ,
اليوم :
سأنقل فكر الأستاذ سيد قطب وكلامه بين مائلين ,,
وماتبقى فهو من قليل علمي وضعف فلسفتي ..
 


:: 1 ::
الإيمان يبنى ولايسكب . والتجربة طريق للأمان .

إن الإيمان بالغيب  أمره عظيم ,,
والوصول لتمام الإيمان بهذا الركن الأساس في ديننا متمثلا في الاعتقاد التام بـ :
 لا إله إلا الله محمد رسول الله , والقضاء خيره وشره , والجنة والحساب  , ويوم القيامة وغيره..
لايمكن أن يتأتى بغتةً , والإيمان لاينزل على الناس  مرة واحده , وقيمة الشيء تنبع من حاجتنا إليه , فالضرورة عين قيمة الشيء .
وحين لايشعر الناس بالحاجة والضرورة للإيمان فلا قيمة له بالنسبة لهم . بغض النظر عن القيمة الذاتية الكامنة له.
ومنهجية التعريف بالإيمان اليوم أسوأ مايكون وأقبح مايكون , إن الإيمان يبنى في النفوس بالفهم والعمل ,,
فإن خلا الجو العام في المجتمع من التطبيق "الفاهم" للعمل المستشعر لضرورته  ,
فلنقرأ على الإيمان السلام , فلن يكون موجودا حينها .
لأنه ضعيف قليل لأبعد الحدود اليوم .
والإيمان يُبنى لا يُسكب على القلوب مرةً واحدة فيطمسَها !!
وأولى خطوات الإيمان معرفة الله , والتعرف عليه . فكيف نؤمن بما لانعرف ؟
نتعلق ونحب مالا نعرف !!
لا الصورة العسكرية الساذجة التي باتت تفسيرًا لمدلولات المنظومة الدينية المريضة في واقعنا اليوم .
التي تصور العلاقة بين الرب وعبيده علاقة جبر وفرض .
لاعلاقة حب وحاجة !!
إن فهم النظم والمبادئ  التي فرضها الله والعمل بها , والسير ضمنها , هو الطريق الأيسر إلى فهم الله , وإلى الشعور بالحاجة إليه .
وفي هذا حديث يطول , لعل كتاباتي عموما تعبر عن جانب منه , ولكن أشير لمنهج التجربة خير برهان ,والسؤال الباحث موصل لبر الأمان .

ولايخلط أحدٌ هنا بين المبادئ والنظم , وبين الفروضِ الدينية التعبدية
"الطقوس" إن صح المسمّى , فتلك تأكيد على يقين الإيمان , والنظم والمبادئ
موصلة لفهم الإيمان والاعتقاد به .
إذ بالامكان في اعتقادي اتيان النظم
والمبادئ الحاكمة الضابطة لمناحي الحياة قبل الإيمان الحقيقي , فإن تحقق
الإيمان بعد الاقتناع العقلي , رسوخا في القلب واطمئنانا , صار بحاجة
لرياضة
وممارسة تقويه وتحافظ على ثباته وهنا تأت الفروض الدينية , فإني أرى أن
الفروض لاتصبح لزاما على من لايؤمن حق الإيمان بالله وبدينه .
لذلك فمنهج التجربة موصل قوي للإيمان .

:: 2 ::
( هدىً للمتقين , الذي يؤمنون بالغيب )

لاعجبَ أن يكون الابتداء بوصف المتقين في بداية سورة البقرة بعد قول الله تعالى :
(ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ) ثم يباشر الرب في ذكر صفات أولئك المتقين :
(الذي يؤمنون بالغبيب ويقيمون الصلاة وممارزقناهم ينفقون )
 
فابتدأ صفاتهم أو علاماتهم المميزة عما سواهم ,
بأنهم يمؤمنون بالغيب  ,, فما قيمة الصلاة والزكاة والانفاق في سبيل الله
وعمق الإيمان وأساسه غير موجود ؟؟

وماقيمة الاعتقاد بالكلام السابق : ذلك الكتاب لاريب  فيه هدى للمتقين !!
دون وجود الإيمان بالغيب !!
فالإيمان بصحة وسلامة القرآن وأنه منزل من الله الواحد المعبود , كلها غيبيات ,
إذًا  نقول :
إن فهم كتاب الله والوصول لفهم هُداه والاطلاعٍ المتفكر عليه , موصل لمرحلة الإيمان بالغيب .
فالقرآن الكريم به من الحكم والمعجزات ماشمل مجالات الحياة كلها . علمنا منه ماعلمنا ومازلنا نجهل مالم نعلم .
وهذه أحد سبل الوصول للإيمان بالغيب .
ففهم وتدبر آياته , موصلٌ للإيمان واليقين بالغيب . فالإيمان بصحته وفاعليته إيمان بمنزله ورسوله وكل هذا إيمان بالغيب .
ومثبت قوي لليقين بالله وبعلمه الخفي .والعكس كذلك , فالوصول للإيمان بالغيب , موصل لفهم وتدبر واستشعار عظمة القرآن .
فلا تضاد بأي الطريقين كان .

:: 3 ::
ارتباط روح الإنسان بالروح العلوية الإلهية
 وهنا انقل كلام قطب رحمه الله :
//
فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى , التي صدرت
عنها وصدر عنها هذا الوجود , ولاتقوم حواجز الحس بين أرواحهم وسائر ماوراء
الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات
// 
* وكتفسير وتحليل  للمقصود بهذا الكلام "وفق فهمي " ,
أن
ماندركه بأحد حواسنا الخمس , لايكون حائلا بين معرفتنا واتصالنا بالروح
الإلهية , بل على العكس , إنها الطريق الموصلة لمعرفته ومعرفة عظمته وعظيم
خلقه .. فلا
تكون مدركات الحس عندنا حواجز أمام الوصول إلى الله
,وإنما مراتب موصلة لمعرفته واليقين به وبألوهيته وربوبيته .وهذا فارق
أصيل بين القوم المؤمنين والقوم الكافرين , ومابينهما من المنافقين
الضائعين ,,
وهنا أذكر قاعدة فكرية اصنطعتها من عندي : الحكم على الشيء بعدمه فرع عن جهله .
وهذا يعني :
أن عدم علمنا بأمر ما ليس بالضرورة , عدم وجوده .سواء أكان في عالم الأفكار أو عالم المادة والمحسوسات .
وإذا سرنا بمنطق مالانعلمه "غير موجود"فهذه عقبة أمام تقدم العقل بل وكذلك معكر لصفاء الروح ,,,
لو سرنا بهذه النظرة القاصر لما اصطنعنا الكهرباء , و أجهزة الاتصال الحديثة !!
هل
سيصيح أحد أن أهجزة الاتصال كذبة خدعنا بها لأنه لايرى بعينه الشحنات التي
تنقل الموجات الكهرومغناطيسية , أو سينفي مشاهد التلفاز لأنه لايرى
الكيفية التي تنقل عبرها الصورة !!
وللعلم والفائدة :
فهذا الداء مصاب به فريق من المؤمنين كذلك , وكثيرا مانراه جليا في عالم الأفكار والتنظير ,
وتحدثت عنهم سابقا في مواضع شتى ..

ويقول سيد رحمه الله :
// والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان , فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي
لايدرك إلا ماتدركه حواسه , إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل
من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس , أو الاجهزة التي هي امتداد للحواس 
//

إنها العقلية المتسائلة دوما :
أما بعد ؟؟
إن المؤمن بالغيب , وأن هذا العالم وراءه ماوراءه …
صاحب هذا الإيمان لابد وأن يكون ذا عقل رشيد ,, فإيمانه هذا يزرع في عقله آداة التساؤل الدائم : أما بعد , ماذا بعد ..
لأنه يؤمن ان هذه السنوات المحدودة التي يحياها في الدنيا ليست النهاية ,
ولذا
هو يسأل أما بعد , فمروره في هذه الحياة مرة واحدة فهو بحاجة لتصور جديد
لشيء يقف خلف هذه الرحلة القصيرة , يحيى لغاية وهدف سام عظيم .
على عكس ماتفيض به المنظومات الإيمانية الخربة اليوم , فجلها لايسأل أما بعد ,
ولكنه ينهق بما لايعرف عن الإيمان بالله , ويصور الغيب خيالات وتأويلاتٍ مرتبطة بكلُ ما لا يلامس عقل عاقل بشيء ,
وأنا واثقٌ مما أقول أن مستوى الإيمان في مجتمعاتنا منخفضٌ دون الحد الطبيعي !!
والسائد في منظوماتنا الثقافية اليوم : إنا وجدنا آبائنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مقتفون .
ليست نظرة سوداء ولكنه الواقع المريض , وكوني  معالجًا ناقدا مفرقا بين الصالح والطالح , كان لابد أن أقر بالمرض ونقر به
حتى ننتقل لمرحلة العلاج السليم !
لقد
أصبح ركن الإيمان بالغيب قهرا وقمعا للنفوس , وتحجيرًا للعقول , وتغليفا
لها , وبغبغة للنصوص الموروثة هذا هو الغيب عند بعض القوم !
ماعاد
الغيب صعودا بالروح إلى الله ,  سموا بالفكر والاعتقاد , وانفتاحا للآفاق
المعرفية الفكرية والعلمية العملية ..والحمد لله بل أكثرهم لايعقلون .
كنا نقول أن الكافرين جعلو من مدركات الحس حاجزا أمام التعرف إلى الله ,
ونحن جعلنا من أفهامنا المغلوطة حول مدركات الحس حاجزا أمام معرفة الله ,
فأصبح الحاجز حاجزين في جيل أتى ماقدر الله حق قدره ,,
والسبب إنا وجدنا آبائنا على أمة .

:: 4  ::
العلم والجهل أخوان

أن نؤمن أن الإنسان كما يعلم , فهو يجهل , هو تفسير آخر للإيمان بالغيب .
فالغيب هو مالانعلمه ومايختص الله وحده بعلمه .  فهو يعني قيمة مجهولة  لدى الإنسان معلومة عند الله الذي يؤمن به الإنسان ,
والإيمان
بالله الخالق الذي لايرى حقيقة , لكنه يستدل على وجوده بكونه , ويستدل
عليه بخلقه , وتعرف قدرته وقوته من خلال جهلنا به وجهلنا بعلمه الغيبي ..
فالجهل هنا طريق أخرى موصلة لمعرفة الله , كما يريدنا هو أن نعرفه :
القوي الخالق مالك الملك عالم الغيب والشهادة .
وهنا ارتباط من جانب آخر بنظرية القطبية القائمة في الحياة الدنيا كلها .
كالنور والظلام
الليل والنهار
العلم والجهل
والصدق والكذب
السالب والموجب الخ
*وماأوتيتم من العلم إلا قليلا ,
هو ايضاح إلهي بغيبية مدى علمنا , وانتهائه , وكذلك إيضاح إلهي بغيبية كم العلم أساسا عنده .

:: 5 ::
العقل "في" وليس "على" :
ابتداءُ فهمٍ لا ابتداءُ علم

كثيرا ماكنا نسمع ومازلنا ,
أنه "لايجوز إعمال العقل في فهم دين الله " هكذا بالنص " الدين لايؤخذ بالعقل"
في تسطيح حقير , وانزال مهين للعقل  , وتحقير سفيه لمبادئ الدين القويم .
بالمقابل نسمع :
العقل
يكون ابتداء علم ,,  وأن العقل قادر على الأحاطة بكل أمر , وفهم نظام
الكون وسننه كاملة بعمقها وتفصيلها , وهذا برأيي من قبيل الجنون والانفلات
وبعد عن العقلانية وحكمتها ..
وفي هذا أتحدث في نقطتين :
الأولى :
ماقيمة
الحياة لو علمنا كل شيء ووصلنا لإدراك مكنون كل شيء في هذا الكون , في
عالم المادة وماورائها , وعالم الأفكار ومايبطن الخ ..!!
هذا السؤال أوجهه لنفسي حين تغرقني خواطر الإلحاد , وأدخل في معركة شديدة من اللانهائية , وحين تغيب عني إجابة أما بعد "الغيبية" .
أسقط سقوطا شنيعا لأعود بعده وأوجه السؤال لي وللجميع :
ماقيمة الحياة إن علمناها كلها بتفاصيلها وماورائها !!
إن كان العقل يفهم ماوراء المادة مثلا فلا حاجة لنا لتمسيتها مارواء !!
هل من إجابة ؟
إن هذا التفكير يغفل جانبا منطقيا أحسبه هاما جدا في عملية التفكير هنا وهو الترتيب والتدرج ,,,
بمعنى مفهوم البناء  :
إننا ننشأ صغار السن ونكبر بالتدرج ,,,
بمعنى أننا نبنى أي نصعد من الأسفل للأعلى ولاننزل من الأعلى للأسفل !!
وإلا فهذا انتكاس فظيع للطبيعة !!
إننا حين ننبني منظومة فكرية ما أو عملية ما أو خطة ادارية لحياتنا أو لمؤسستنا ,
فإننا ننطلق من القيمة الصغرى للأكبر منها وهكذا …
وعلمنا
في الأولى ليس كعلمنا في الثانية , وارتباطنا بالتطور الدائم وملازمة عامل
الزمن لنا , يعني نقصانا لنا من جانب زيادةٍ في علمنا من جانب , اتساعًا
للعلم والدرب الذي نسير فيه من جانب آخر , وهذا يعني أننا كلما اتسعنا في
المعرفة زادت القيم المجهولة , وكلما فهمنا قيمة مجهولة فأصبحت معلومة
أتتنا قيمة مجهولة أخرى وهكذا بشكل دائم .
فالإنسان بحاجة للسؤال نعم ,
لكن ليس من الصواب القفز إلى مرحلة الإحاطة بكل الأسئلة مرة واحدة وبكل
الأجوبة مرة واحدة , متجاهلين سنة البناء في الكون !
فالاعتقاد أن العقل بإمكانه علم التمام ,
فهذه
إهانة حقيقية للعقل وتوقيف ثم الغرق في جدليات فلسفية عقيمة , في حين أن
العقل قادر على المسير بخط البناء , صعودًا … بقوى وقدرات مختلفة بين
البشر ,
والتوقف يعني الكسل والنوم والسبات والضعف !!
أما النزول من الأعلى للأسفل فهو المستحيل بعينه .. وله معنى آخر وهو السقوط والانتكاس !!
ومن جانب فنحن  لانعلم في أي طابق يقف عنده هذا الأعلى ولا كيف يكون !!
فالعقل إذا ابتداء فهم وبناء لا ابتداء علم .
العقل "في" وليس "على" ولو كان على فلا قيمة للحياة ولا لنظمها التي علمناها  .


:: 6 ::
الإيمان بالغيب لا الإيمان بالجهل !!

وهنا دعونا نتحدث عن فكر سائد تحدث عن واقعه سيد قطب رحمة الله عليه في مقدمة كتابه الظلال فقال :
// إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية يضعون لها المنهج الإلهي
في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى , ثم يقولولن لها : اختاري
!!إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة
وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله !!
وهذا خداع لأيم خبيث ,, فوضع المسألة ليس هكذا أبدا , إن المنهج الإلهي ليس عدوا
للإبداع الإنساني . إنما هو منشء لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة .لينهض
الإنسان بمقام الخلافة في الأرض , وهذا المقام الذي منحه الله إياه وأقدره عليه
ووهبه الطاقات المكنونة مايكافئ الواجب المفروض عليه فيه وسخر له من القوانين
الكونينة مايعينه على تحقيقه , ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون لميلك الحياة
والعمل والإبداع . على أن يكون الإبداع نفسه عبادة . ووسيلة من وسائل الشكر لله ,
والتقيد بشرطه في عقد الخلافة , أما أولئك القوم فهم سيئو النية يطاردون البشرية
المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال وهمت أن تسمع لصوت
الحادي الناصح وأن تؤوب من المتاهة المهلكة وأن تطمئن إلى كنف الله
  //

يا الله ,, ما أقرب هذا الكلام إلى موضع الموازنة بين العقل والقلب .
هؤلاء القوم أصحاب مقولة : لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان مسح الخف من أسفله لا من أعلاه .
وفي الحقيقة هذه  ..
حين ينطق بها أحدهم يظنه أقام الحجة !!
وماهو بصاحبها ولن يملكها .
والكلام
السابق في العقل ابتداء فهم لا ابتداء علم رد على هؤلاء القوم وايضاح
لحقيقة  آلية عمل العقل المقصودة ,فهم مصابون بلبس شديد في فهم آليته ,
وحين كان العقل في السنون الأخيرةٍ حِكرا على الجاهلين بالله والمنكرين له
, ظن هؤلاء الحمقى أنه ملك مطلقٌ لهم .
وبعقولهم وأفهاهم الطفولية بات التفكير والعمل والتخطيط رجسا من عمل الشيطان وكفرًا وشركًا الخ .. من تلك الأوصاف .
ولابد لنا من موقف حازم شديد , وتبيان واضح صريحٍ بمدى خطورة هذه العقول العقيمة والأفهام السقيمة ,
وتحذير العالم والبشر منهم , ومن طرائقهم , فهم ابتداء الشر وانحطاط الأمة المسلمة . وسبب هلاكها وضياعها إلى يومنا .
والتفريق بين الخير والشر لازمٌ وواجب يمليه الله عينا وشعور نابع من أصحاب الضمير الحي , والأحرار بالعبودية المطلقة لله وحده .

:: 7 ::
الإيمان بالغيب راحة للعقول والأبدان
يقول سيد رحمه الله :
// وعندئذ 
( أي الإيمان بالغيب) تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد
والتمزق والانشغال بما لم تخلق له , ومالايجدي شيئا أن تنفق فيه , إن
الطاقة الفكرية
التي وهبها الإنسان , مهيئة ليقوم بدور الخلافة في الأرض , على أن تدع للمجهول حصته في علم العيب الذي لاتحيط به العقول
//

فكما قلت , أواجه القوم بقيمة الزمن ,
هذه القدرة العجيبة , فالانشغال بما هو مجهول هو تبديد للطاقة الفكرية فيما لاتستطيع أن تنجز فيه شيئا أو تغيير من مسيرته ,
إلا أن يكون لنا علو فوق علوها علينا , وهذا مايخالف قانون الرب والعبد والعلاقة بينهما .
ولا
أخفيكم حين قرات هذه الكلمات اطمئن قلبي لها , وشعرت براحة غمرتني , 
وأدركت أن دور الإنسان تطوير حياته , لا تطوير الكون المخلوق المسخر لأجله
,
من غير الواجب عليه التعالي على الطبيعة ومحاولة الوصول إلى الفوقية
, ولا الخنوع والخضوع للطبيعة المتمثلة في شهوات النفوس ونزواتها وإطلاق
العنان لها ,
فهمت جيدا الموازنة بين العقل والقلب , وحاجتنا لإدراك ديمومة جهل الإنسان وسؤاله وبحثه عن الاجابة  , وحاجة الإنسان للعلم ,
والعلم
لانحده نحن , بل هو محدود بقدرة الإنسان وبطبيعة القدرة التي خلقها الله .
وحين يتشدق أحدهم أن للعقل حدود فأنا أتحداه بصوت عال أن يرسم لي تلك
الحدود
من التفكير , لن يستطيع إليها من سبيل , ولو كان لما كان يستحق أن يكون عبدا لله .



:: 8 ::
التصادم بين الدين والعقل صناعة بشرية بامتياز

أبدأ بتساؤل لأهل الإيمان ,
ألسنا نؤمن بإله خالق ؟ مدبر , رازق ..الخ ؟
إن كانت الاجابة بنعم ,
أليس إلهنا الذي نؤمن به هو خالقنا ؟
نعم ,,
أليس هو من خلق عقل الإنسان وروحه ؟ وأوجد فيه الميول الفطري والشهوات الطبيعية ؟
نعم ,,
أليس الله خالق الإنسان وخالق عقله وجسده , هو منزل القرآن على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام ؟
نعم ,,,
فأين التعارض بالله عليكم !!
أيخلق الله خلقا ليعارض خلقا آخر !! أيخلق الله خلقا ليعارض دينه ومبادئه الهادية لعقول البشر ؟؟
بالمقابل :
يا أصاحب صيحات العقول العمياء الهوجاء ,,
مالضرر في إخضاع نظم ومبادئ هذا الدين للدراسة والتحليل ,!!
يا أصحاب الموضوعية , مالمشكلة لديكم في عدم اطلاعكم المتفحص الموضوعي لنصوص القرآن والسنة الصحيحة !!
لماذا نراكم دوما تجعلون من القرآن شماعة  لأخطاء قوم من بلهاء المؤمنين !!
لابد لنا من إقرار حقيقة بعد ماسبق من الحديث ,
أن
العقل ليس من صلاحياته احتواء الدين , بل الدين يحتوي العقل , فمثلا مبدأ
الإيمان بالغيب وهو ركن أساس , لايمكن احتواءه بالعقل المجرد ,
إذ لابد
من تكامل جوانب هذا الدين كتطبيق لنظمه واقتناع بمبادئه العامة , وهذا
موصل أكيد للاقتناع بجوانب الغيب من هذا الدين , مما يوصل لمستوى من
التكامل
المتوازن بين العقل والقلب , وهذا ماتفتقده كل نظم البشر وقوانينهم !!

:: 10 ::
ثالوث الإيمان البشري
كثيرا ماكان يروادني سؤال ,
الإيمان يبدأ في القلب ؟ أم في العقل ؟
وآخر ماتوصلت إليه هو هذه الفلسفة :
إنه لايمكن القول بأن الإيمان يبدأ من العقل فحسب ويسير به , أو من القلب أولا ويسير به ,
بمعنى لايمكن إطلاق الحكم في ابتداء الإيمان,
ولكن ما أراه أقرب للصواب في واقعنا اليوم ,
هو الابتداء بالعقل ,
ببساطة
في التأمل قلت : إن الله كرم العقل إذ جعله أعلى الجسد , وحفظ القلب إذ
أكنه داخل الجسد , وجعل أداة الجسد واستمرارية الجسد الإنساني آخرها
ترتيبا ,
وفلسفتي التي خرجت بها ,
أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ,
وهذا يعني : قول باللسان , فالعقل يتعامل مع الكلمات , والأفكار ويبحث عن الحقيقة المققنعة والحجة البالغة ,
فإن رضي العقل واقتنع , انتقل الاقتناع لمرحلة من تأقلم النفس مع القناعة الجديدة ,
فهي بحاجة لترسيخ قوي في الذات وهنا نحن نتحدث عن قلب الإنسان ,
فالاقتناع العقلي دون تأقلم وتشرب القلب لتبعات الاقتناع العقلي , يعني إيمانا ضعيفا مهزوزا , أو قناعة ضعيفة .
فإن اكتمل الاقتناع بالإيمان المستقر بالقلب المصدق , كان التطبيق الدال على الصدق عملا بالجوارح ,
وإذا
نظرنا لواقعنا اليوم لوجدنا التركيز كله منصبا نحو القلب , حتى طمس من
كثرة المتجمهرين حوله وحجبت عنه أنوار الهداية , وتعطل العقل فما عاد من
يهتم به ,
وتراكمت بفعل السنين طبقات من الجهل والجمود والجفاف , فأصبح العمل ضعيفا , متثاقلا , كسولا ,,,
وبرأيي المتواضع ,
إن الوصول لاستقرار الإيمان في القلب , يكون عن طريق العقل أو عن طريق الجوارح , فالقلب مركزية .
فعن طريق العقل بالجدال والنقاش والكلام ,
وعن
طريق الجوارح يكون عن طريق النظم ومبادئ الحياة العامة , فتفاعل الانسان
معها بالتجربة الواقعية واستشعار نتائجها موصل لاطمئنان قلبي بها
وبفعاليتها ,
ولذا فلسنا بحاجة لتحديد مبتدأ , ولكننا بحاجة لتوزيع الأدوار , ولإعطاء كل ذي حق حقه .


لو كانت الغاية وصولنا لإدراك علم الغيب ,
لما سمي غيبا ,,
وهنا إعجاز الإعجاز ,,
ومهما بلغنا من العلم , وتدرجنا في بناء منظوماتنا العلمية والفكرية ,
فلانملك تحديد حد التوقف والانتهاء , لأننا في حياة ذات حركة دائمة مستمرة ,
ودورات دائمة مستمرة لكثير من مظاهرها الطبيعية ,
إننا بحاجة لأن نجهل كما نحن بحاجة لأن نعلم .
وحسبي القول في نهاية هذه الخواطر :
يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
تحياتي : )


بـراء القـسّام


Baraa Qassam


بين العلم والجهل ,,, تأمل

محدودية العلم والمعرفة – أمراض ثقافية 2
العلم نقمة والجهل نعمة

Advertisements
هذا المنشور نشر في بين العقل والقلب. حفظ الرابط الثابت.

One Response to حديث بين العقل والقلب “6” الإيمان بالغيب

  1. Baraa كتب:

    وفوق كل ذي علم عليم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s