حديث بين العقل والقلب – حول الأسلمة 2

الحضارة الإسلامية

ابتداء لابد من فهم تقريبي لمعنى الحضارة, وقد اطلعت على عدة تعريفات وتفسيرات للحضارة, وكان جلها يدور حول "صورة" عليا من التقدم والتطور والتنمية والنهضة في مجالات الحياة المختلفة القائمة على منهج فكري يحفظ قيمة الإنسان والحرية والعدالة ولم أرى باطلاعي القاصر حتى الأن حضارة قدمت للبشرية الخير والسلام والنفع وقد أهين فيها الإنسان أو غابت عنها شمس العدالة , إلا سطقت وأمست في تاريخ الانهيار .

ولذلك نلخص الحضارة بأنها منهج فكري ينعكس ويتكون على أساسه عالم مشاريع وعلاقات ومنتجات الأمم في ميدان المادة والمعاني والعلوم والمعارف .

وإنا حين نتحدث عن الحضارة الإسلامية, فلابد من توضيح المعنى هنا لفصله عن إشكاليات مرضية جراء جراثيم متعددة أصابت ثقافة المسلم اليوم منها :

– خلط السماوي بالأرضي : وينعكس هذا المرض هنا بالخلط بين قدسية "الدين الإسلامي" وبين كون الدين الإسلامي مرجعية أو مكونا أساسا في النهج الفكري للأمة, وليس متمثلا متجسدا "كمالا" في منتجاتها وعالم مشاريعها وأفكارها وعلاقاتها . كما يحدث ذات المرض في تعاملنا مع "التاريخ مثلا" أو مع إشكالية "رجال الدين" في المجتمع المسلم ولعلي تحدثت عن هذا في مواضع سابقة.

– الخلط إسلامية النهج الفكري , وبين استمعال الأدوات الإنسانية والعلمية والصناعية , بأحلال الفكرة في الأداة !

واحتكارها باسم دين !!

وهذه مشكلة مازال الغبار يكتنف جانب العطب منها في عقول كثير من المسلمين اليوم .

 

إطلاق الأسلمة حق من؟

حين نقول أن حضارة ما هي حضارة إسلامية, أو حضارة عربية, فإن المكون الأساس في النهج الفكري لهذه الحضارة قائم في جانب الاعتقاد والإيمان

والدين على دين الإسلام , وليس أن هذه الحضارة "دين" هذه واحدة.

بما أن الإنسان هو عنصر الصلاح والحضارة الأول, وهو أساس بناء الحضارة

فبالتالي تكون الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية وهذه ثانية .

وهنا نقول أننا يجب أن نفرق بين أمرين :

– كون الحضارة الإسلامية قد أقامها أناس مسلمون , وقامت على مجتمعات سمتها الثقافية والاجتماعية متبناة من الدين الإسلامي لا يعني أنها وافقت الإسلام تماما .

فالتاريخ مليئ بالأخطاء التي شوهت شيئا من معالم الحضارة الإسلامية, أو أخفت بعضها, أو أساءت لبعض الخ

ولكن ,

هل حينما أنشأت المباني الأموية والأندلسية على سبيل المثال, كان المشروع وصاحبه حينها يصيح : إن هذا المبنى إسلامي , إننا نريد أن نبني قصرا إسلامي !!

لكم أن تتخيلوا مقدار الحماقة التي يتمتع بها شخص كهذا .

لكن من حكم على أن بناء ما أو قصرا ما هو إسلامي؟

لقد حكم التاريخ المستقبلي , نحن من حكمنا,والمؤرخون والباحثون بعد مئات السنين حكموا ,

فقلنا إنه إسلامي, لأن أهله مسلمون ومن صنعه مسلم , ولكن لم نقل إنه إسلامي لأنه "يمثل الدين" !!

ولم نقل إن بناء القصور والمباني وزخرفتها حكر على المسلمين !!

بل هذا فن إنساني في أساسه , نعم ابتدعه للبشرية المسلمون وهم أصحاب الفضل فيه وأهل التميز رغم محاولات الطمس التي يشترك بها مغفلون من المسلمين اليوم من حيث لايشعرون بفهم أحمق للدين يختزله في عبادة وإيمان غيبي وينسى تاريخا من المنتجات الثقافية والفكرية في الفلسفة والفلك والحساب والفيزياء والطب والبحار وعلومها الخ

لكن اليوم في واقع الفعل لسنا نحن من نختم و نحدد , لنعطي التاريخ قضائه فينا , هو من يحدد والنتائج هي التي تبين صدق الصادق وكذب الكاذب , وحكمة العاقل وغباء الجاهل ..

بمعنى أن الحكم على المنتج بأنه إسلامي أو غير إسلامي يأت بعد استكمال انتاجه وانتهاء زمن فعله , وليس قبله , فكيف بالله نقيس نتيجة غير موجودة ؟

وقلنا مرة أخرى : هناك ماهو إسلامي بمعنى "الدين" وتطبيقات ونظم دينية مبنية على اعتقاد وإيمان بأصول الدين, فمن الطبيعي والبديهي أنها تبقى باسمها إسلامية والحكم سابق عليها بأنها إسلامية .

ولكن حين يدخل اجتهاد البشر, وحين تستخدم الأدوات لاتصطبغ الأداة بقيم صاحبها , ولا المنتج ينال قدسية مبادئ صاحبه .. ولكن ماضيفه وتؤثر به النتيجة هو من يبني ويؤسس للتاريخ أن يقول أصبنا وأخطأنا , كان هذا عمل المسلمين العقلاء الأحرار وكان هذا عمل المتخلفين… !!


Advertisements
هذا المنشور نشر في بين العقل والقلب. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to حديث بين العقل والقلب – حول الأسلمة 2

  1. abdul-mohsen كتب:

    السلام عليكم …أعجبتني كتاباتك وآرائك مع إعتقادي بإفتقادك في بعض المقاللات للبديل أو ما ترى واجب فعلهفانت تطرح مشكلة أو ظاهرة تفست في المجتمع الذي تعايشه وهذا كلام جميل والإنتقاد البناء مطلوب ولكنك تفتقد إلى الحلول والبدائل او الخطوات العملية في ظنك لحل هذه المشاكلقد لا تفتقد إليها ولكنك لا تطرحها أو قد لا تطرحها بوضوح في تدويناتكأتمنى أن تزورني وتبدي رأيك في ما أكتبه فقد أعجبني رأيكhttp://arabicstreet.blogspot.com/ولا أوصيك بالنقد الحادوشكراًنفر

  2. Baraa كتب:

    وعليكم السلام عبد المحسن ..ونعم كما ذكرت فالمقال وبعض مقالاتي لاتطرح " البديل " أو " الحلول " ..وألفت انتباهك في هذا لأمرين :الأول : أني أحسب أن كثيرا مما أشخصه هو محاولة مني للاعتراف أولا بالمشكلة ودعوة للقارئ للاعتراف بها فإنها أولى خطوات الحل على مستوى كل الإشكاليات التي نواجهها في حياتنا وكذلك في عالم الطب الذي تسبح به : )ولايمكن لنا الشروع بشكل العلاج ومشروعه قبل أن يكون الطبيب على علم بالمرض وتشخصي سليم له محددا الموضع مفسرا له … حتى نوفر على نسبة الخطأ في الاجتهاد للحد الأدني ثانيا : يغلب على المدونة الشخصية , وأعني شخصية بمعناها جيدا .. فهي مرتبطة بمزاج صاحبها وحالته الفكري التي تستفزه للكتابه وبحكم المحيط والواقع فإن ماتراه من مخرجات هي نتائج استفزازات تتمحور بأدب واجتهاد في الترتيب و اصطيادها من فضاء الأفكار إلى صفحة الكترونية ثالثا : أسعدني جدا أن أجد أشخاصا لأول مره أسمع بأسمائهم , يتكرمون بتدوين تعلليقاتهم وارائهم في مدونتيفكن على ثقة أن زيارتك بين الحين والأخر حافز لطرح رؤى علاجية وأفكار متشكلة على أساس حلول .. وقد بدأت مؤخرا بذلك في مجال الفكر الإداري في قسم " تحت المجهر "تقبل تحياتي : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s